منير سلطان
159
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
العربية وبألفاظها التي هي ظروف المعاني والحوامل ، ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ . ولا تكمل معرفتهم لاستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض ، فيتوصلوا باختيار الأفضل عن الأحسن من وجوهها ، إلى أن يأتوا بكلام مثله . وانما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة : لفظ حامل ، ومعنى به قائم ، ورباط لهما ناظم ، وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة ، حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أوضح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه ولا ترى نظما أحسن تأليفا وأشد تلاؤما وتشاكلا من نظمه ، وأما المعاني فلا خفاء على ذي عقل أنها هي التي تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها والترقي إلى أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها « 1 » . ويقول في موضع آخر من رسالته هذه « فأما المعاني التي تحملها الألفاظ ، فالأمر في معاناتها أشد لأنها نتائج العقول ، وولائد الأفهام وبنات الأفكار ، وأما رسوم النظم فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر لأنها لجام الألفاظ وزمام المعاني ، وبه تنظيم أجزاء الكلام ، ويلتئم بعضه ببعض فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان « 2 » . وإذا تركنا الخطابي نجد قدامة بن جعفر ، يشير إلى صلة النظم بالنحو ، إذ ينبغي أن يتقصّى النظم خطا النحو الطبيعية « 3 » وأبو هلال العسكري يشير أيضا إلى وضع الألفاظ في مواضعها « 4 » ويلتفت إلى مبادئ الكلام ومقاطعه وحسن الخروج ، والفصل والوصول وما يجرى مجرى ذلك « 5 » وابن رشيق القيرواني يتكلم عن الأسلوب الذي أفرغ إفراغا ، وذلك في باب النظم من كتابه « 6 » .
--> ( 1 ) الخطابي - بيان اعجاز القرآن - 24 . ( 2 ) الخطابي - بيان اعجاز القرآن - 33 . ( 3 ) قدامة بن جعفر - نقد الشعر - 189 . ( 4 ) أبو هلال العسكري - الصناعتين - 135 . وقد رجع الجرجاني إلى العسكريين وهما أبو أحمد وابن أخته أبو هلال ، ورد ذكر أبى أحمد في الأسرار ص 82 ، وورد ذكر أبى هلال في الدلائل ص 305 . وفيها ذكر اسم كتابه « صنعة الشعر » . ( 5 ) نفس المصدر - 423 . ( 6 ) ابن رشيق - العمدة - 1 / 171 . وقد رجع الجرجاني لابن رشيق في الأسرار ص 203 ، 322 .